خليل الصفدي

132

أعيان العصر وأعوان النصر

ثم إن السلطان استسلمه على يد بكتمر الساقي ، وسمّاه عبد الوهاب ، وسلّم إليه ديوان ابنه آنوك ، فلاحظته السعادة ، ونام عنه طرف الزمان ، ولما توفي القاضي فخر الدين ناظر الجيش نقل السلطان القاضي شمس الدين موسى من نظر الخاص إلى نظر الجيش ، وولى النشو ناظر الخاص مع كتابة ابنه ، وحجّ مع السلطان في تلك السنة ، وهي سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة . ولما كان مستوفيا وهو نصراني ، كانت أخلاقه حسنة ، وفيه بشر وطلاقة ورجه ، وتسرّع إلى قضاء حوائج الناس ، ولما تولى الخاص ، وكثر الطلب عليه من السلطان ، وزاد السلطان في الإنعامات والعمائر ، وبالغ في أثمان المماليك ، وزوّج بناته ، وتوجّه إلى الحج ، واحتاج إلى الكلف العظيمة المفرطة الخارجة عن الحد ، ساءت أخلاق النشو ، ولبس للناس جلد النمر ، وأنكر من يعرفه ، وفتحت أبواب المصادرات للكتاب ، ولمن معه مال ، وكان الناس يقعون معه ، ويقومون إلى أن جرح ، فازداد الشر أضعافه ، وهلك أناس كثيرون ، وسلب جماعة نعمهم ، وذهبت أرواح ، وزاد الأمر إلى أن دخل الأمير سيف الدين بشتاك والأمير سيف الدين قوصون وجماعة من الخاصكية ، ومعهم عبد المؤمن - الذي تقدم ذكره - إلى السلطان ، فقال عبد المؤمن : أنا الساعة أخرج إلى النشو ، وأضربه بهذه السكينة ، وأنت تشنقني ، وأريح الناس من هذا الظالم ، فقال السلطان : يا أمراء ، متى قتل هذا بغتة راح مالي ، ولكن اصبروا حتى نبرم أمرا ، فلما كانت ليلة الاثنين الثاني من صفر كان الشهر المذكور اجتمع السلطان به ، وقال له : غدا أريد فلانا ، فاطلع أنت من سحر ؛ لتروح وتحتاط عليه ، وأحضر جماعتك ليتوجه كل واحد إلى جهة أعينها له ، فلما كان من بكرة النهار طلع القلعة ، ودخل إليه ، واجتمع به ، وقرر الأمر معه ، وقال له : اخرج حتى أخرج أنا ، وأعمل على إمساكه مع الأمراء ، فخرج وقعد على باب الخزانة ، وقال السلطان لبشتاك : اخرج إلى النشو وأمسكه ، فخرج إليه وأمسكه ، وأمسك أخاه مجد الدين رزق اللّه - المذكور في حرف الراء - وصهره ولي الدولة وأخاه الأكرم وجماعتهم وعبيدهم ، ولم يفت في ذلك الوقت إلا المخلص أخوه الكبير ، فإنه كان في بعض الديرة ، فجهز إليه من أمسكه وأحضره ، وسلّم بشتاك النشو إلى الأمير سيف الدين برسبغا الحاجب ، وعوقب هو وأخوه المخلص ووالدتهما وعبيدهم ، وماتت والدتهما وأخوه المخلص تحت العقوبة في المعاصير والمقارع ، ثم إن السلطان رقّ على النشو ، ورفع عنه العقوبة ، ورتّب له الجريحية والفراريج والشراب ، فاستشعروا رضا السلطان عنه ، فأعيدت عليه العقوبة ومات تحتها ، وقيل : إن الذي تحصّل من النشو ، ومن إخوته ، ومن أمه ، ومن عبيدهم وأخيه وصهره مبلغ ثلاثمائة ألف دينار مصرية . وأراني النشو قبل خروجي من الديار المصرية في سنة سبع وثلاثين وسبعمائة ، قال : هذه أوراق فيها ثمن المماليك الذين اشتراهم السلطان من أول مباشرتي سنة اثنتين وثلاثين